لم تعد تعرية السلوك الإمبريالي والصهيوني بحاجة إلى مزيد من الأدلة؛ فالكيااان الاستيــــطاني يمارس عقيدته الإبادية في غـزة جهارا نهارا، واضعا الكاميرا والصحفي الميداني في مراميه العسكرية بوصفهما خطرا وجوديا يهدد سرديته الزائفة ويُعرّي وحشيته أمام العالم. غير أن المأساة التي تُدمي القلب وتستدعي التفكيك المباشر بلا مواربة ولا مهادنة، هي تلك التي تأتي من “ذوي القربى” ومن المنظومات الإعلامية التي تقتات على الدم الفلسطيني، وتستثمر في المظلومية، حتى إذا ما انتهت “فورة التغطية” أو تراجعت نسب المشاهدة المباشرة، ألقت بصُنّاع الحقيقة إلى قارعة الطريق ببرود إداري واستهتار أخلاقي كامل.
إن إقدام شبكة إعلامية بحجم “الجزيرة” على قطع التعاون مع زهاء خمسة وعشرين صحفيا ومصورا ميدانيا في قطاع غزة – بعد أن خاضوا معركة نقل الحقيقة بأمعائهم الخاوية وأرواحهم المطاردة تحت القصف – يضعنا أمام حالة نموذجية من “الانتهازية المؤسسية وتسليع القضية”.
المفارقة الفاضحة.. تسويق حقوقي واستغلال وظيفي
تتجلى المفارقة في أبهى صورها حين تُصدر مؤسسة مثل الجزيرة عبر مراكزها البحثية ورقات تحليلية ودراسات مطولة تتناول “استهداف الصحفيين الفلسطينيين في غزة والمقاربة الحقوقية الدولية”، مظهرة حرصا كاذبا على حرية الصحافة وسلامة الفرسان الميدانيين، بينما يمارس جهازها الإداري والمالي في الواقع العملي سياسة التخلي والرمي خارج التغطية.
هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الموجه للخارج (العريض والمليء بالشعارات الإنسانية والحقوقية) والممارسة الداخلية (الخاضعة لحسابات الربح والخسارة ولغة الأرقام الصماء)، يكشف الجوهر النفعي لشبكات الإعلام العابرة للحدود. إنها سلوكيات تُحول البطولات الميدانية والتضحيات الدامية للصحفي الغزي إلى مجرد “مادة تغطوية” تُستهلك حتى نفاد الغرض منها، ثم يُستغنى عن أصحابها فور إعادة ترتيب الأولويات المؤسسية أو الرغبة في خفض النفقات.
القتل المزدوج.. الاغتيال الجسدي مقابل الاغتيال الوظيفي
لا يتعلق الأمر هنا بعقد عمل مرن أو ترتيبات إدارية اعتيادية يمكن تجاوزها بمرونة سوق العمل، بل بنمط من “القـتل المعنوي والوظيفي” يُمارس ضد صحفيين يعيشون تحت وطأة الحصار والدمار الإبادي.
فالاحـتلال الصـهيوني يمارس تصفية جسدية مباشرة بهدف إلغاء الرواية، وإخفاء أدلة الجريمة، وإسكات الصوت الحر عبر الصواريخ والاغـــتيالات الميدانية. بينما تمارس الرأسمالية الإعلامية إعداماً وظيفيا ومعيشيا عبر التخلي والاستغناء والتجويع الإداري، تاركة الميدانيين بلا سند ولا حماية بعد أن استنزفت جهودهم وأصواتهم وكاميراتهم في ساعات الذروة الإخبارية.
إن هذا الاستغلال النفعي يُجرد الصحفي الميداني من كرامته المهنية والانسانية، ويعامله ليس كشريك في نقل الحقيقة أو كمناضل إعلامي ضد الإبادة، بل كـ “متعاون موقت” يُستبدل فور انتهاء الحاجة إليه.
منطق الشاشات وسقوط البراغماتية الإعلامية
تثبت هذه الممارسات أن إمبراطوريات الإعلام النفطي والتلفزيوني تُدار بنفس المنطق الرأسمالي المعولم الذي يرفض الالتزام الأخلاقي والمبدئي؛ فهي لا تتبنى قضايا الشعوب العادلة بكونها حقا وجودياونضالا تحرريا، بل بوصفها “مادة تسويقية” تُرفع بها أرقام التفاعل والمشاهدات. وحينما تتحول التغطية الميدانية الشاملة إلى عبء مالي أو استحقاق إداري، يُضحى بالخط الأول من الصحفيين الميدانيين بلمسة قلم، وبلا أدنى شعور بوخز الضمير أو المسؤولية الأخلاقية تجاه من جازفوا بحياتهم وحياة عائلاتهم.
هذا السلوك يتكامل – بوعي أو بغير وعي – مع محاولات تفريغ الميدان من الأصوات الحرة والملتزمة التي تنقل الواقع بعين المواطن المكتوي بنار العدوان، بعيداً عن أروقة الفنادق وحسابات السياسة والإملاءات التحريرية العابرة للحدود.
الانحياز للميدان لا للإمبراطوريات
إن الحقيقة لا تصنعها الاستوديوهات الفاخرة ولا الأوراق البحثية المكتوبة في الغرف المكيفة، بل يكتبها “مثقف قارعة الطريق” والصحفي الميداني المرابط في أرض الميدان. الشرفاء من أبناء هذه الأمّة والشغوفون بالعدالة والحرية يدركون تماماً الفارق بين الدم الزكي الذي يُسفك نصرة للحق، وبين المؤسسات التي تتغذى على صور هذا الدم ثم تتنكر لأصحابه.
الواجب الأخلاقي المبدئي يتطلب اليوم الوقوف الحاسم مع الصحفيين والمصورين المستبعدين في غزة، وتعرية ازدواجية المعايير والماركنتلية الإعلامية التي تمارسها هذه القنوات؛ فالكلمة الحرة الملتزمة بقضايا الشعوب ستظل حية، بينما تتهاوى الأقنعة الحقوقية لإمبراطوريات الإعلام أمام صمود وصبر فرسان الميدان.
Leave a comment