الرئيسية نافذة رياضية مونديال 2026 ومسرحية “الحصانة الفجة” للمدلل الأرجنتيني
نافذة رياضيةقراءات وتحاليل

مونديال 2026 ومسرحية “الحصانة الفجة” للمدلل الأرجنتيني

Share
Share

حين نادى الفيلسوف والمفكر التقدمي بأن الدين قد يُستغل كأفيون للشعوب عندما يُفرغ من جوهره التحرري، فإن الرأسمالية المتوحشة في لبوسها الإمبريالي الجديد قد وجدت في كرة القدم أفيونا بديلا، لا لمجرد التسلية، بل لهندسة الوعي، وتثبيت الهيمنة، وضمان تدفق المليارات إلى جيوب كارتيلات “الفيفا” وشبكات المراهنات العابرة للقارات. ولم يكن مونديال أمريكا 2026 الجاري حاليا إلا العينة المخبرية الأكثر فجاجة على هذا “الابتذال غير المسبوق” الذي تحول فيه المستطيل الأخضر من فضاء للمنافسة الشريفة ونبض الرصيف، إلى مسرح دمى مُوجه بالكامل لحماية “المنتج الأثمن”: ليونيل ميسي وكتيبته الأرجنتينية.

إن تفكيك المهازل التحكيمية المتلاحقة في هذا المونديال يتجاوز البكاء التقليدي على “أخطاء الحكام التقديرية”، ليغوص بمشرط النقد الجذري في عمق التواطؤ البنيوي. نحن أمام منظومة دولية مدعومة بنفوذ رأس المال المتصهـين والإمبراطوريات الإعلامية الغربية، منظومة قررت سلفا صياغة “نهاية سينمائية” و”رقصة أخيرة” مقدسة للنجم المدلل، حتى لو كان الثمن ذبح العدالة الكروية، وإهدار عرق المنتخبات المكافحة، ودوس طموحات شعوب بأكملها.

موقعة الجزائر.. حماية “المدلل” حتى في غياب الخطر

في أولى مباريات دور المجموعات، لم يكن “محاربو الصحراء” في أفضل حالاتهم؛ حيث ظهر المنتخب الجزائري بآداء شاحب يفتقر إلى النجاعة والتركيز المعهودين ميدانيا، وبدا عاجزا عن تشكيل تهديد حقيقي يليق بسمعته وعنفوانه.

لكن، ورغم هذا التراجع الفني الواضح من الجانب الجزائري، فإن الماكينة التحكيمية للفيفا لم تترك أي شيء للصدفة؛ إذ استمرت الصافرة في ممارسة دورها الحمائي المعتاد، عبر تسييج تحركات ميسي بهالة من الحصانة الفجة، والتغاضي عن خشونة لاعبي الأرجنتين في وسط الميدان لإجهاض أي محاولة جزائرية لاستعادة التوازن. لقد بدا واضحا أن كارتيلات الرعاية والتسويق كانت تخشى حتى الهبات العفوية لمنتخب غير موفق، فقررت فرض “الردع الوقائي” مبكرا لتأمين بداية مريحة لمنتخب التانغو دون أدنى تشويش.

مذبحة الفراعنة في ثمن النهائي.. الصافرة الفرنسية كأداة للمكارثية الرياضية

في دور الستة عشر، واجهت الأرجنتين جدارا تكتيكيا مصريا صلبا كاد أن يقلب الطاولة ويفسد الحبكة الدرامية المعدة في الغرف المغلقة. هنا، تجسد النفاق الإعلامي والتحكيمي بأبشع صوره تحت قيادة الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير (François Letexier)، السليل الوفي لمنظومة المال الأوروبي المحكومة بالولاءات الضيقة.

لقد ارتقى المنتخب المصري فوق الحسابات وسجل هدفا شرعيا، ليأتي القرار الفج بإلغائه وسط ذهول المتابعين. هذه المذبحة التحكيمية دفعت الاتحادية المصرية لكرة القدم إلى كسر جدار الصمت والتقدم بشكوى رسمية للفيفا، متهمة الحكم الفرنسي علنا بتبني “ازدواجية المعايير والتمييز الفج” (Double standard et discrimination)، ومطالبة بإقصائه فورا من البطولة. طوال المباراة، كان ميسي يتحرك بـ “حصانة فوق القانون”؛ يعترض، يلمس الكرة بيده، يعطل المرتدات المصرية، دون أن تجرؤ الصافرة الفرنسية على إشهار ورقة صفراء واحدة، فخروج ميسي في هذه المرحلة يعني “إفلاسا تسويقيا” لكارتيلات الرعاية.

فضيحة موقعة سويسرا.. عندما يتحول الـ VAR إلى مقصلة لصالح “المدلل”

لم تتوقف المأساة عند حدود المنتخبات العربية والإفريقية؛ بل امتدت لتطال المنظومة السويسرية الصارمة في ربع النهائي (ليلة السبت/الأحد 11 /12 جويلية 2026). وثّقت الصحافة الفرنسية المستقلة تفاصيل الجريمة في تقارير صرخت بعناوين من قبيل: “الأرجنتين – سويسرا: تأكيد الفضيحة التحكيمية!” (Argentine – Suisse, scandale arbitral confirmé!).

كانت السويسريون قاب قوسين أو أدنى من إقصاء أبطال العالم، ليتدخل الـ VAR في منعطف سريالي قلب مجرى التاريخ: الحكم كان قد أشهر بطاقة صفراء مستحقة ضد الأرجنتيني لياندرو باريديس بعد اعتدائه على المهاجم السويسري بريل إمبولو (Breel Embolo)، لكن غرفة الفيديو استدعت الحكم لا لإقرار الحق، بل لتأمر بـعكس القرار؛ أُلغي إنذار الأرجنتيني، وطُرد المهاجم السويسري بالبطاقة الصفراء الثانية بتهمة “التمثيل”!

هذا التدخل الفج دفع النجم السويسري ريمو فرويلر (Remo Freuler) للخروج أمام وسائل الإعلام الدولية صامّا الآذان بوصف ما حدث بـ “الكارثة المطلقة” (C’est juste un désastre)، متسائلا عن الجدوى من وجود تقنية وُجدت لحماية طرف واحد وتجريد الخصوم من أسلحتهم البدنية المشروعة بمجرد أن يقتربوا من إسقاط صنم الفيفا المالي.

البعد الجيوسياسي.. الاستثمار الصهيوني في “الأيقونة المعولمة”

إن التساؤل الحارق في الشارع العربي والعالمي: لماذا يُحمى ميسي بهذا الشكل المقرف؟ لا يمكن الإجابة عليه بعيداً عن فهم الهيمنة الصهيونية والرأسمالية الاحتكارية على مفاصل الرياضة والثقافة العولمية. ليونيل ميسي لم يعد مجرد لاعب، بل هو أداة بروباغندا ناعمة تم الاستثمار فيها لسنوات من خلال زيارات ترويجية وعقود رعاية مشبوهة تخدم تلميع صورة كيان الاحتلال وحلفائه الإمبرياليين.

إن المنظومة الصهيونية التي تسيطر على كبريات شركات المراهنات، ومجموعات المال والترفيه (مثل إمبراطوريات بولوريه وأشباهها في الغرب)، ترى في استمرار بريق ميسي مصلحة أيديولوجية واقتصادية عليا لتخدير وعي الجماهير العفوية. الحكام على أرض الملعب يقعون تحت “إرهاب فكري” غير معلن؛ فالحكم الذي يجرؤ على طرد ميسي أو تطبيق القانون عليه بحذافيره يعلم أن مقصلة الإعلام الغربي بانتظاره لإنهاء مسيرته المهنية. لذا، يُغض الطرف عن خطاياه، وتُخترع له ركلات الجزاء بالقطعة، ويُطرد خصومه بتهم واهية لتأمين عبوره.

Share

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عاجل

فصام السيادة: أزمة القواعد العسكرية الأجنبية وتآكل الاستقلالية

تعيش المنظومة الإقليمية العربية حالة من الفصام المفهومي الحاد حين يتعلق الأمر بمفهوم “السيادة الوطنية”. تبرز هذه الأزمة…

متابعة التغطية