تأتي الدعوة التي أطلقها القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، سيد مجيد ابن الرضا، في الثالث من أوت 2026، خلال اتصاله بنظيره التركي، لتشكيل “آلية أمنية إسلامية مشتركة” تضم كلا من تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان، وتستبعد القوى الأجنبية من إدارة أمن المنطقة وعاى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لتسلط الضوء مجددا على معضلة الصراع الإقليمي في مرحلة ما بعد الهزات العسكرية الشديدة؛ إذ تأتي هذه المبادرة في أعقاب حرب إقليمية مكلفة، وتعيش المنطقة تحت مظلة وقف إطلاق نار هش، وفي ظل تنامي الآلية الرباعية التشاورية بين القاهرة، وأنقرة، والرياض، وإسلام أباد. غير أن التشريح النقدّي لبنية هذه المبادرة يفرض تساؤلا تأسيسيا: هل تُعبّر هذه الأطروحة عن حاجة وجودية وبنيوية لبناء نظام سيادي إقليمي مستقل، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية لإعادة تموضع طهران، وكيف تقف بنية الارتهان السلطوي للحكام الموالين للغرب سدا منيعا بوجه أي أفق تحرري حقيقي؟
تباين الضرورات وسياسات الحسابات الفئوية
تتفاوت درجة الاحتياج والضرورة لهذه الآلية المقترحة بين الأطراف المعنية تفاوتا جوهريا يُسقط وهم “التجانس المفاهيمي” للمنطقة؛ فبالنسبة لإيران، تُعد هذه المبادرة ضرورة استراتيجية قصوى لكسر حالة العزلة الدبلوماسية بعد حرب استنزافية، وتحويل صورتها المفهومية من “مصدر تهديد دائم” إلى شريك أمني، فضلا عن تقليل اعتمادها على الوكلاء الإقليميين، وخلق غطاء إقليمي يصد الهجمات الصهيونية والضغط الأمريكي الشامل. أما بالنسبة لتركيا، فالطرح يتقاطع جزئيا مع سعيها للعب دور الوسيط الإقليمي المستقل، وتنسيق الملفات السورية والحدودية، وموازنة نفوذ حلف الناتو دون إعلانه القطيعة معه. وتجد باكستان في هذه المبادرة فرصة لترسيخ موقعها كوسيط نووي وإسلامي محوري بعد دورها في التفاهمات الأخيرة.
في المقابل، تبدو هذه الدعوة بالنسبة لمصر والسعودية أقل إلحاحا وأكثر إثارة للمخاوف؛ إذ إن الحكام في هذه العواصم، المنغمسين في صيانة عروشهم وحماية مشاريعهم الاستثمارية والريعية، ينظرون بريبة شديدة إلى أي إطار أمني قد يجذبهم إلى مواجهة بنيوية مع واشنطن وتل أبيب، أو يُعيد تدوير النفوذ الإيراني في المنطقة. وتتضح المأساة السياسية هنا في أن “الضرورة الموضوعية المتمثلة في تقليل الاعتماد المفرط على القوى الاستعمارية وبناء بيئة سيادية موجودة بالفعل على المستوى الشعبي والميداني، لكنها تصطدم بحسابات العروش والنخب الوظيفية التي ترى في المظلة الأجنبية شرطا وجوديا لبقائها”.
موانع الانعقاد ودور حكام الارتهان في شل المبادرة
ان البحث في احتمالية تحول هذه الدعوة إلى تحالف رسمي مؤسسي يرتطم بالجدار الصلب للبنية السلطوية الموالية للغرب؛ فلئن كانت عوامل التقارب التركي-المصري، ونجاحات الوساطة الرباعية، والقلق العام من البطش الصهيوني تُشكّل دوافع تكتيكية للتقارب، فإن الموانع الهيكلية تظل هي الحاكمة والموجهة لبوصلة القرار السيادي. وتتوزع هذه الموانع بين الخلافات الجيوسياسية والتاريخية الممتدة في ملفات سوريا، والعراق، واليمن، ولائحة أزمات الثقة المتبادلة بين طهران والعواصم العربية.
غير أن مانع الموانع والأداة الاكثر راديكالية في تعطيل أي مشروع أمني مستقل يكمن في “التدخل المباشر والوظيفة البنيوية للحكام الموالين للغرب والذين يرتبطون مع واشنطن بتفاهمات أمنية واستخباراتية عميقة”. إن المنظومات السلطوية الحاكمة في المنطقة لا تتعامل مع “استبعاد القوى الأجنبية” بوصفه فرصة لتحقيق السيادة الوطنية، بل تتوجس منه بوصفه تهديدا مباشرا لشرعيتها واستقرارها؛ إذ أثبتت التجربة التاريخية أن هذه النخب المدجنة قد رهنت الأمن القومي لمراسيم “الحماية الأجنبية”، وأصبحت تسديدة فواتير هذا الارتهان تتم عبر القبول بالتطبيع، وفتح القواعد العسكرية، وتفكيك أدوات الردع القومي. ومن ثمّ، فإن أي تقارب حقيقي مع طهران يستبعد المظلة الأمريكية يُفسَّر فورا داخل أروقة هذه الأنظمة كمغامرة غير محسوبة تثير غضب البيت الأبيض وتستجلب عقوبات أو تحركات لإعادة هندسة المشهد الداخلي، وهو ما تجثو النخب السلطوية لمنعه بأي ثمن.
السيناريوهات المحتملة وصراع الإرادات الإقليمية
في ضوء هذه المكبلات الهيكلية ودور الحكام الموالين للغرب في تعطيل أطر الاستقلال الأمني، تتحدد مسارات هذه الدعوة الإيرانية ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو التنسيق التكتيكي المحدود (وهو السيناريو الأرجح إن تم): يتمثل في الاكتفاء بـ “آليات تشاورية مرنة” عبر توسيع الآلية الرباعية لتشمل مشاورات أمنية غير ملزمة مع إيران حول الملفات الحدودية، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات. يحقق هذا المسار للأطراف القدرة على المناورة وضبط الأزمات الطارئة، دون الوقوع في محذور الصدام مع الإدارة الأمريكية أو فتح جبهة مواجهة مع الكيان الصهيوني.
سيناريو التحالف الأمني الأوسع (السيناريو المستبعد): ينطوي على تشكيل حلف دفاعي حقيقي يفرض معادلة ردع جماعية بوجه الاعتداءات الخارجية والصهيونية. وفي حال حدوثه مجازا، فإنه سيواجه فورا بحرب شاملة من قبل واشنطن وتل أبيب عبر تحريك أدوات الضغط الاقتصادي، وإعادة إحياء “الفزاعة المذهبية”، وتحريك النخب الوظيفية بالداخل لإجهاض هذا التحالف في مهده، مما قد يعمق الانقسام الإقليمي بدلا من معالجته، بل قد يصل لإعلان حرب حقيقية ضد تكتل كهذا.
سيناريو الجمود وإعادة إعادة التدوير: أن تنتهي المبادرة إلى مجرد شعار سياسي إعلامي يضاف إلى قائمة المبادرات الإقليمية المجهضة، حيث تواصل الأنظمة المرتهنة الاحتماء بالحلفاء الغربيين، مع الاكتفاء بإدارات أزمات مؤقتة كلما اشتدت الضغوط الشعبية أو الميدانية.
لا أمن بدون سيادة ولا سيادة تحت مظلة الارتهان
تتوج هذه القراءة بالوصول إلى حقيقة بنيوية واضحة: إن الدعوة الإيرانية لآلية أمنية مشتركة، رغم ما تحمله من دوافع ذاتية لإعادة التموضع، تسلط الضوء على الأزمة الوجودية للعالم العربي والإسلامي؛ فالأمن الإقليمي الحقيقي لن يتأتى عبر تسكينات تكتيكية بين أنظمة مرتهنة للغرب، ولا عبر مبادرات تُطرح في لحظات الخنق الاستراتيجي.
ان الوطنية التحررية الأصيلة تقضي بالإعلان الصريح عن ان “السيادة الوطنية والأمن القومي الجامع” هما مفهومان يستحيل تحققهما في ظل وجود حكام يقتاتون على رخص البقاء الأجنبية، ويجعلون من أرضهم قواعد للهيمنة الإمبريالية. إن استعادة القرار الأمني المستقل هي معركة الشارع الحية وقارعة الطريق؛ حيث ينبغي تفكيك بنية التبعية، وعزل أصوات التطبيع والاستسلام، والتأسيس لكتلة تاريخية وشعبية صلبة تعيد الاعتبار للإرادة الجمعية، وتؤكد بثقة مطلقة أن الأمة التي تعتمد على أعدائها لحماية أمنها هي أمة تحكم على مستقبلها بالارتهان والاندثار.
Leave a comment