تعيش المنظومة الإقليمية العربية حالة من الفصام المفهومي الحاد حين يتعلق الأمر بمفهوم “السيادة الوطنية”. تبرز هذه الأزمة بوضوح في الخطاب الذي تتبناه النخب الوظيفية، حيث تُصبح السيادة مفهوما مرنا ومجزءا، يُستدعى ويُغيّبُ وفقَ ما تقتضيه حسابات الوجود السياسي وتحالفات الارتهان.
وهم “الكفيل الأجنبي” وتجزئة المبدأ
تسعى هذه الأنظمة إلى شرعنة فتح أراضيها ومجالها الجوي للقوات الأجنبية، وتحويل جغرافيتها الوطنية إلى منصات إسناد عسكري وقواعد ثابتة للهيمنة الإمبريالية، تحت لافتة “التحالفات الاستراتيجية” و”الدفاع المشترك”. تُقدّم هذه التنازلات الهيكلية على أنها ممارسة سيادية حكيمة، في حين أنها في حقيقتها ليست سوى مُقايضة صريحة يتنازل بموجبها النظام عن الأرض والمجال الجوي مقابل الحصول على “رخص بقاء” وظرفية سياسية تضمن حماية الكرسي. ويكتسي هذا المسلك فصاما أخلاقيا وسياسيا حين تنقلب الموازين؛ فالنظام الذي يمنح الشرعية لقواعد أجنبية تُدار منها العمليات ضد أطراف إقليمية أخرى، يستشيط غضبا ويتظلم باسم “خرق السيادة” حين تطال أرضه أو منشآته الردود العسكرية الناجمة عن صراع انخرط فيه كطرف مُمكّن للهيمنة.
ازدواجية المعايير بين الداخل والجوار
تتجلى الهشاشة البنيوية لهذا المنطق في طريقة إدارة الصراعات في ساحات الجوار كما هو الحال في اليمن أو لبنان، إذ يُوصَم ويُدان دعم المحاور المنافسة لأطراف محلية على أنه تعدٍ سافر على العروبة وتغلغل وظيفي وتهديد وجودي للأمن القومي، بينما تمنح هذه الأنظمة لنفسها الحق المطلق في فرض الحصارات وتشكيل الميليشيات ودك البنى التحتية للدول المجاورة تحت ذريعة “إعادة الشرعية” أو “التدخل الوقائي”. إن توصيف “صنيعة الخارج” لا يجوز أن يُفرّق بين مَن يرهن قراره لطهران ومَن يرهن أراضيه وقراره لواشنطن؛ فكلاهما يمارسان الارتهان السياسي ذاته، وكلاهما يجعلان من قضايا المنطقة وشعوبها أوراقا مجانية في مزادات النفوذ الدولي.
الطريق نحو استعادة المعيار السيادي الأصيل
إن حماية الأمن القومي الحقيقي لا تُستجدى من القواعد الأجنبية، ولا تُبنى على حساب تجويع وحصار الشعوب المجاورة. ولذلك فإن أي مشروع تحرري يستهدف الخروج من دائرة سياسات الارتهان يقتضي التأسيس لوحدة معيار السيادة باعتبارها مبدأ كاملا لا يتجزأ، فلا يحق لمن يستضيف قواعد عسكرية أجنبية أن يُمثّل دور الحارس الأمين على السيادة الوطنية. كما يتطلب ذلك بناء الأمن القومي بالشرعية المستمدة حكرا من الشارع والميدان، لا بالاحتماء بتقنيات الردع الأجنبية التي تسقط عند أول امتحان جاد، وصولا إلى كف أيدي المحاور عن تحويل الدول المستضعفة إلى صناديق بريد دموي، وترك الشعوب لتحسم خياراتها الوطنية بعيدا عن التدخلات الخارجية، سواء كانت بكساء إمبريالي أم بغطاء إقليمي.
إن الاستقواء بالكفيل الأجنبي لتأديب الجوار ثم التظلم عند انكشاف هذا الرهان هو قمة الإفلاس السياسي، ولن تستعيد المنطقة توازنها إلا بسقوط منطق الوكالة، وإعادة الاعتبار للسيادة الوطنية النابعة من الإرادة الشعبية المستقلة.
Leave a comment